قضية الأم العاملة: تدوينة للمرأة والرجل

.بعد فترة من السفر بين جدة والرياض، أعتقد أني كنت أحمل شنطتي الثقيلة على كتف واحد وأصبح يؤلمني جدا

جلست أمام الطبيب، عرفته بنفسي وعملي وما إلى ذلك، دخلنا في تاريخي الطبي ووصلنا إلى عدد الأطفال. أخبرته لدي طفل واحد عمره 6 سنوات في ذلك الوقت. سألني عن سبب عدم إنجاب أطفال أخرين، قلتله الله ما كتب. وكان المفروض أن ينتهي النقاش عند ذلك، لكنه لم يتوقف. نظر إلى وقال: أصلا اللي زيك المفروض يكون عندهم طفل واحد. يعني إنت بين جدة والرياض ومشغولة هنا وهناك. مين يهتم بولدك؟ قلتله زوجي (هو أبوه على فكرة برضه) وأمي الله يعطيها العافية وكما أني أحرص على تمضية ساعات قليلة بجودة عالية معه كل يوم. قال: يعني يطلعلنا جيل أمهاتهم ماهم موجودين. شيء غريب، أنا في الطب لي عشرات السنين وبدأت مؤخرا أشوف “هذه الفئة” (شعرت أني نوع من الفطريات) اللي تقول أجدول مواعيد علاجي حسب جدول سفري

!!!نتوقف هنا قليلا

أنا لست “نسوية” وصراحة لا أعرف ما يعنيه هذا المصطلح بالتحديد. لكن تخيلت لو كان زوجي هو من كان في مقعد المريض وكان يجدول مواعيد جلسات العلاج الطبيعي بناء على تواريخ سفره. هل كان سيستمع لذلك التعليق الجارح؟ أتوقع أن الاجابة هي لا وبقوة

ربما لأني أعمل لمدة تتجاوز 10 سنوات وتعودت على سماع تعليقات غريبة يتفضل بها الغرباء والأقرباء فأصبح مثل هذا الكلام “من الإذن للإذن” ولا يهز شعرة في رأسي، لكن بالتأكيد سيتأثر غيري أو لو ذهبت وأنا أشعر حينها بالذنب وبالضعف، ربما كان سيتحول موعد العلاج الطبيعي لموعد علاج نفسي

القرارات اليومية التي أتخذها كأم عاملة صعبة ولا تتبع معادلة واحدة تنطبق على جميع المواقف. تخلفت عن حضور بعض المناسبات المدرسية لإبني لأني كنت مرتبطة مسبقا بمواعيد خارج مدينتي مع عملائي. تخلفت عن حضور حفلتين مدرسية، زواج أخت زوجي، واحتفال يوم الأم في مدرسة ولدي ومؤخرا جدولت إجتماع أولياء الأمور في اليوم الخاطىء في تقويمي وأنا مستعجلة فبالتالي فات الموعد ولم أحضر. هل شعرت بالحزن لحدوث كل هذه المواقف؟ طبعا نعم. لو عاد الزمن للوراء، هل كنت سأقوم باتخاذ قرار مختلف؟ لا. سأشرح ذلك هنا

عمل المرأة أولوية لصحتها النفسية

قرأت في كتاب (نادي الساعة الخامسة صباحا) أن من لا يعمل لتحقيق هدفه وفكرته، فإن تلك الطاقة الإيجابية تتحول لطاقة سلبية مدمرة. ينتهي المطاف بان تشعر بأنك ضحية الزمان والظروف، أنك غير مجدي، وأن قيمة ذاتك لا تثبت إلا عند الانتقاص من قيمة غيرك

أعجبتني المقولة. لا أعرف إذا كان لها أي مرجع علمي لكنها بدت منطقية بالنسبة لي. الفكرة هنا، أن الله خلقني بهذه الطاقة لبناء القدرات في مجال التعليم (مجال عملي). وأعلم أن هذه الطاقة مثل النهر الجارف، إن لم أعمل على إخراجها في المسار الصحيح فستقوم بتدميري. هذا واجبي تجاه ذاتي، والمحافظة على ذاتي أولوية تسبق أي شيء وكل شيء. ببساطة أنا وغيري من “هذه الفئة حسب كلام الطبيب” لو لم نعمل، فسنصاب بالجنون والمرض بسبب الفراغ والطاقة الذهنية والإبداعية المكبوتة (جربتها، بالفعل أصبحت مجنونة وزوجي يرجوني أن أخرج من البيت للعمل). الاعتقاد السائد أن الأم التي تظل في بيتها لترعى أطفالها أفضل من غيرها غير صحيح أبدا لأن نوعية الوقت التي تمضيه مع اطفالك أهم من الكمية. والأم السعيدة أفضل من الأم التي تشعر أنها ضحية الزمان والظروف. في الأخير، الأم إنسانة من واجباتها إعمار الأرض الذي لا يقتصر على الإنجاب فقط، وإختيار البعض بأن يقتصر دورهم على الإنجاب لا يعني أن ذلك هو المسار الوحيد الصحيح لكل نساء الكون  

التوازن بين العمل والبيت خرافة

أضحك في نفسي كلما سمعت شخص يشارك في الراديو ويخبره المذيع: لوسمحت قصّر الصوت واسمعني من التلفون وليس الراديو عشان الصدى. هوا لسه فيه ناس لا تعرف هذه المعلومة التي يرددها المذيعين منذ اختراع الراديو؟. نفس الإحساس والشعور بالضحك ينتابني عند سؤال أي مرأة أو أم عاملة في أي منتدى أو أي منصة عن التوازن بين كفتي العمل والمنزل. هذا هو السؤال المكرر الذي بدأت أشعر بالملل تجاهه، تماما مثل شعور المذيع مع المتصل الذي يستمع له من الراديو. هل يوجد شخص يعيش حياته بتوازن طوال الوقت؟ لم يمر علي ذلك قط. التوازن هو الهدف بالتأكيد واختلاله هو الواقع المر. قد تفوز كفة المنزل أحيانا وقد تفوز كفة العمل أحيانا أخرى حسب الموقف ومعطياته ومتطلباته. توقفت عن جلد الذات وتقبل هذه الحقيقة حتى أعيش بسلام مع ذاتي لأن مسؤوليات الأم العاملة تضاعفت خلال السنوات الماضية دون تقدم يذكر في الدعم المقدم لها لرعاية أطفالها أثناء العمل

لا يوجد دعم حقيقي للأم العاملة، اخلقي نظامك ولو من تحت الأرض

أحصل على الكثير (الكثييير) من الدعم من والدتي وزوجي ولا أعتقد أني كنت سأقدر أن أعمل بدون مساعدتهم. قبل تحديد مواعيد سفري مع أي من العملاء، أأكدها أولا مع زوجي، وفي حال سفره، أنسقها مع أمي التي أضع معها جدول ابني وكافة الأنشطة التي سيقوم بها. في فترة من الفترات، كنت أقوم بأعمال حرة في مشاريع مستقلة، فكنت أجدول مواعيد اجتماعاتي حسب مواعيد رضعات إبني ومواعيد قيلولته (في أخر المشروع، أتوقع أن العميل استنتج نمط المواعيد المكرر وسببها!). أثناء الإجازات الصيفية الطويلة، اخترعت تدريب صيفي لإبني في عملي (مهامه اشتملت على غسيل أكواب القهوة وعمل بعض الأنشطة الكتابية والتلوين). الفكرة هنا أن الأم العاملة يجب أن تفكر خارج الصندوق وفوقه وتحته لإيجاد نظام دعم متنوع المصادر حتى تستطيع ممارسة أعمالها. مهما كان ذلك صعبا، لا تتوقفي لأن

جلوسك في المنزل مكلف أكثر من بقائك في العمل

حتى وان قمتِ بصرف دخلك في استقطاب مربية لترعى ابنك خلال ساعات عملك، فإن ذلك يعتبر أقل ضررا من ناحية مادية مقارنة بجلوسك في المنزل وفقد سنة أو سنتين من الخبرة في العمل. كما أن فرص عودتك للعمل بعد سنوات من الجلوس في المنزل تعتبر أصعب. قد تختاري الجلوس في المنزل لفترة ما، لكن كلما طالت الفترة كلما صعب الرجوع، كما أن الكثير من النساء العاملات لا يعتبرن العمل رفاهية، بل ضرورة مادية لمساهمتهن في مصاريف المنزل. أغلب النساء العاملات في دائرتي يساهمن ماديا لتحقيق متطلبات أسرهن المباشرة أو الممتدة، والعمل بالنسبة لهن ضرورة وليس مجرد هواية لقتل وقت الفراغ  

كيف ممكن تساعد الأم العاملة؟

الدعم الذي يجب تقديمه قد يتطلب تغيير بعض السياسات (مثل إيجاد حضانات في كل مواقع العمل، تقديم خدمات رعاية أطفال بعد ساعات المدرسة…إلخ)  لكن حتى يحدث ذلك أتوقع مضي الكثير من الوقت حتى يتم سد الفجوة المطلوبة في البنية التحتية. توجد بعض الحلول البسيطة التي لا تتطلب سوى بعض التفهم والتقدير للإنسانة التي تحاول بذل قصارى جهدها في منزلها وعملها، فمثلا 

قم بإختيار الأنسب في الوظائف والمشاريع بناء على الكفاءات والقدرات وليس الحالة الإجتماعية. في أحد المقابلات لتوظيف مستشار أو مستشارة جديدة في مقر عملي، أخبرتي المتقدمة على الوظيفة انها متزوجة، وبنبرة مليئة بالإعتذار، أضافت أنها تود إنجاب الأطفال. ثم وعدتني وبسرعة وإلحاح شديد أن ذلك لن يؤثر على عملها وأني يجب أن اعاملها مثل غيرها. حقيقة شعرت بالحزن الشديد لأنها تبرر لي وتعتذر لممارسة حقها الطبيعي كإمرأة متزوجة (وذلك شيء لن يخطر على بال أي رجل متزوج يقوم بالتقديم لأي وظيفة). خلال سنوات عملي وجدت أن الأمهات العاملات لا يختلفن في الإنتاجية عن غيرهن إن توفرت لهن المرونة اللازمة للموازنة بين الكفتين. ساعات العمل المرنة من أهم العوامل التي تساعد الأم على ذلك، فالأم، وإن أصبح الأب يشارك أكثر في المهام التربوية، لازالت هي التي تتابع أداء أولادها في المدرسة بشكل اكبر، وهي التي تتغيب عن عملها إذا مرض أحدهم

أيضا، أرحمونا من جدولة الإجتماعات خارج ساعات الدوام في أخر لحظة. عندما تطلب من الأم العاملة حضور إجتماع مفاجيء، تأكد من إمكانيتها لتحقيق ذلك أولا، لأنها في أغلب الظن، يجب أن تقوم بالتنسيق مع من يقوم بالعناية بأطفالها للتأكد من قدرتهم على التواجد لساعات إضافية مع الأطفال. مارس مهارة التعاطف مع غيرك وفكر في ظروفهم دون القفز مباشرة في التفكير في كيفية إنهاء العمل المطلوب حتى وان تطلب ذلك أن تدوس على إحتياجات فريقك الأسرية.

إذا إضطريت لطلب شيء خارج ساعات الدوام، إسالها إذا كان الوقت مناسب لذلك. قبل أسبوعين كنت حرفيا أطارد أحد عملائي للحصول على تغذية راجعة بخصوص أحد المهام التي قمنا بها. لم يرد على اتصالاتي ولا ايميلاتي. المهم، في يوم خميس وانا أتناول العشاء مع ابني الساعة 8 مساءا اتصل علي وقررت الرد لأن انهاء هذا الموضوع المعلق مهم بالنسبة لي وللشركة حتى نصدر فاتورة ونحل مشاكل السيولة لدينا. أخبرني أن واحد واثنان وثلاثة وأربعة وخمسة ضرورية للتعديل و…أوه ستة وسبعة مقترحات اختيارية. قائمة طويلة عريضة. كتبت ما تذكرت من ملاحظاته بسرعة على جوالي وأعدتها عليه للتأكيد. نظرت في الساعة، مضت نصف ساعة وأنا مع الأخ على الهاتف، بحثت عن ابني، كان قد انتهى من عشائه وذهب لغرفته للإستعداد للنوم

شعرت بالذنب وغضبت من نفسي ومن هذا الشخص الذي يتواصل معي في الوقت الملائم لجدوله هو فقط وليس مع الوقت المنطقي خلال ساعات العمل. عندما تطلب شيء خارج ساعات العمل وبشكل مفاجئ، فتأكد أن الأم العاملة ستود إثبات ذاتها في العمل وستقطع من وقتها مع أولادها لتعوض سوء تنظيمك لمهام العمل والأولويات أثناء ساعات الدوام. كل ماهو مطلوب منك هو مجرد أن تسأل إذا بإمكانها عمل المطلوب وأعطها أكثر من خيار واحد لكيفية إنجازه خلال مدة زمنية معينة. دعها هي تختار كيفية تنظيم وقتها بالشكل الأنسب لها ولأسرتها فقد تعمل بعد قراءة قصة ما قبل النوم، أو أن ترسل أطفالها للعب عند الجيران، أو أي شيء أخر… لكن لا تجبرها (ولو نفسيا فقط) أن تعمل في ساعات محددة خارج الدوام لتسليم شيء غير مستعجل. هذا فيما يخص أصحاب العمل والمدراء من الرجال أو حتى النساء. بالنسبة للمجتمع بشكل عام فأرجو منكم

!!التوقف عن ممارسة الابتزاز العاطفي

فمثلا توقفوا عن ذكر العبارات التي على سياق

ابنك يبكي كثيرا في المدرسة…أكيد لأنه لا يرى امه بشكل كاف في البيت

أعتقد أن ابنتك تحب العاملة المنزلية أكثر منك

!!هذه هي العبارة التي تضحكني دائما لتناقضها…طفلك متعلق بك كثيرا لأنه لا يراك كثيرا

هممم وهذه العبارة التي ربما تسمعها الكثير من الأمهات والنساء العاملات…زوجك حيتزوج عليك لو استمريتي بالعمل بهذه الطريقة

عمل المرأة ضرورة، التضحية أحيانا واجبة، وعلاقتها بزوجها وأولادها ببساطة شيء لا يخصكم

أعلم أن الحديث عن المرأة العاملة ممل ومستهلك، لكني في قلب الميدان وأرى أنه مازالت تواجهنا الكثير من العقبات والمعتقدات التي تعرقل مسيرتنا المهنية. لولا أن أسرتي متواجدة معي وتسد الثغرات غير الداعمة في العمل، لربما كنت استقلت وأصبحت مكتئبة رسميا في منزلي…ربما. لكن الحمدلله على نعمة الأسرة الداعمة، فلولاهم كنت سأحرم من تدريب عدد يتجاوز الألفين معلم ومعلمة، ولما درّست مئات الطالبات الجامعيات، ولما عملت على تأسيس وتطوير مجموعة من أفضل المدارس الرائدة في المملكة (برأي على القليل!)، ولما تعرفت على مجموعة من أفضل الأشخاص الذين أعمل معهم يوميا والأهم من ذلك أني كنت سأحرم من الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها والتي صقلتني لما أنا عليه اليوم. أعتقد أن تلك الأيام والليالي التي تركت بها ابني قليلا لم تضع سدى

بالأمس وبعد انتهائي من قراءة قصة ما قبل النوم مع ولدي الذي يبلغ الثامنة من عمره، سألته إذا يود أن أترك عملي وأظل في المنزل. نظر إلي باستغراب وسألني: فيه أمهات يجلسوا في البيت وما يشتغلوا؟ ايش يعملوا؟ أخبرته نعم بعض الأمهات يخترن البقاء في المنزل. فقال بأنه يود أن يراني أعمل كما أنا حاليا لأنه يحب أن يرى أمه ناجحة في عملها (وحتى أشتري له الألعاب من راتبي، لكن هذا موضوع أخر)…أتمنى أن يكبر هذا الطفل ليصبح رجلا يدعم زوجته وبناته مستقبلا للدراسة والعمل وتحقيق طموحهن. أما بالنسبة لذلك الطبيب الذي ذهبت إليه لعلاج كتفي، فأعتقد أن رأيه في عملي وأمومتي خاطئ جدا

المراجع

Lean In بعض الأفكار مستقاة من كتاب شيريل ساندبيرج

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s