تعليم ما بعد الكورونا

في لقاء نظمته منصة أعناب لدعم أولياء الأمور لتطبيق التعليم عن بعد، سألني أحد مشاركين عن رأينا فيما إذا ستتحول المدارس إلى مدارس افتراضية بعد انتهاء أزمة كورونا؟

أجبته بأني لا أتوقع ان تصبح المدارس افتراضية بحته، وانما سنشعر بالراحة والثقة أكثر لاستخدام التعليم عن بعد في حال اغلاق المدارس بسبب الأمطار أو العواصف الرملية وللتواصل مع أولياء الأمور. كانت اجابتي مقتضبة ومقتصرة على الجانب التقني فقط، لكني أعتقد أن التغيير في مجال التعليم يجب أن لا يقتصر على استخدام وسائل تقنية جديدة فقط، بل يجب أن يشتمل على الدروس التي تعلمناها من هذه الجائحة والتي تخص تطوير كيفية تعلم الطلاب وما يتعلمه الطلاب. إغلاق المدارس مفاجأة هزت الوسط التعليمي ونفضت غباره مرغما للتماشي مع قواعد جديدة في اتجاه ايجابي يدفعنا لانتهاز الفرصة للتفكير فيما نود الاحتفاظ به وتنميته بعد انتهاء الجائحة

هذه بعض النقاط التي أتوقع أن يتأثر بها النظام التعليمي في السعودية أو خارجها

ساعات تعليمية مرنة: تماما مثل ما نتوقع تطبيق ساعات عمل مرنة أكثر في كافة قطاعات العمل، قد تصبح لدينا أيام افتراضية اكثر وتواصل أعمق بين المعلمين وطلابهم خارج ساعات المدرسة

اختلاف دور أولياء الأمور في العملية التعليمية: لن يشعر أولياء الأمور بالاحترام الشديد للمعلمين فقط، بل ان خبرتهم المباشرة في معرفة المحتوى والقاء الدروس ستزيد من نسبة مشاركتهم في دعم المعلمين لتحقيق الأهداف التعليمية بشكل فعال أكثر،وسيؤدي ذلك إلى مردود ايجابي على تعلم الطلاب ونموهم

زيادة المحتوى التعليمي العربي بجودة عالية: أغلب المنصات المتاحة حاليا هي عبارة عن مجرد منصات تتيح التواصل والتفاعل دون وجود قوي للمحتوى العربي. أتوقع بعد هذه الأزمة وتعرف المعلم والطلاب على نقاط قوة وضعف المنصات اللاكترونية الحالية أن يتفاعل المعلم أكثر في صناعة محتوى عربي بجودة عالية يمكن استخدامه بشكل فعال في هذه المنصات

محتوى منهجي مختصر: أتوقع أننا سنملك نظرة مختلفة لمعنى المنهج أي قد يتم اقتصاره على المهارات الأساسية التي يحتاج الطالب لتعلمها دون الحشو اللامنطقي الموجود حاليا في مناهجنا. الضغط الزمني لانهاء المنهج خلال هذه الفترة دفع المعلمين للتركيز في أولويات المنهج مع التغاضي عن التفاصيل أو الأهداف الأقل أهمية، فربما سيظل المنهج مقتصرا على ما قل ودل

اهتمام أكبر بالعلوم والأبحاث: مهارات التفكير العلمي مثل التقصي وحل المشكلات والتي احتجناها لحل مشكلات طبية واجتماعية وغير ذلك، سيتم النظر بها مرة أخرى لإعادة دمجها بشكل أقوى في مناهجنا حتى تترسخ كطرق تفكير دائمة لدى طلابنا  

خلق الفرص التي تتيح للطالب المساهمة في خدمة مجتمعه: يجب تنمية استشعار دور المواطن ومسؤوليته تجاه مجتمعه الذي يتأثر بالقرارات اليومية التي نتخذها دون تفكير حيث يرى الصلة التي تربطه بالمجتمع والوطن دون الاتكال الكلي على الجهات الحكومية أو غيرها لتطوير المجتمع. هذه الصلة التي تكونت خلال الجائحة أتمنى ألا تضيع بعد انتهائها وأن يرعاها النظام التعليمي الذي يجب أن يحقق أهداف تمتد للمجتمع بكافة شرائحه

اهتمام اكبر بالنمو الشخصي للطالب عوضا عن الاقتصار على النمو الأكاديمي: الطالب خلال هذه الفترة يعتمد على ذاته لتحقيق أهدافه التعليمية وإنجاز واجباته (لطلاب المرحلة المتوسطة فما فوق)، لهذا، من المعيب أن نرجع هذا الطالب خطوة إلى الوراء في اعتماده الكلي على المعلم لتلقينه المعلومات وتقديم التغذية الراجعة له. أيضا، استثمر الكثير من الطلاب أوقاتهم في تعلم مهارات جديدة لم يتسع لها نظام التعليم التقليدي والتي أتمنى أن يواظب الطلاب على تنميتها خلال الفترات المقبلة دون الحاجة إلى حظر منزلي

نمو الجانب الروحي والديني: عندما اشتد الظلام، استشعرنا مدى ضعفنا وقلة حيلتنا كبشر. اختلف لدينا مفهوم التوكل على الله ليصل إلى أبعاد جديدة وعميقة. هذه الجائحة فرصة لانشاء علاقة جديدة تحث الطالب على استشعار المسؤولية المناطة به من منظور ديني تجاه اعمار الأرض والحفاظ عليها، معرفة معنى التوكل والأخذ بالأسباب، وتقدير النعم اليومية التي كانت من المسلمات قبل الجائحة

أعتقد أن أزمة كورونا مثل معلم السباحة الذي دفع طالبه الخائف في المسبح لأول مرة دون العوامات. فماذا حدث؟ اضطر الطالب لتعلم السباحة فورا حتى وان لم يتقنها. أرى أنه من المعيب أن تعاود المدارس فتح أبوابها مرة ثانية ليعاود المعلمون التدريس لتغطية المنهج والطلاب لحفظه بنفس الطريقة التقليدية، كما هو من المعيب أن يعود الطالب الذي تعلم السباحة إلى استخدام العوامات مرة ثانية

جائحة كوفيد 19 فرصة ذهبية لإعادة تصميم نظام التعليم الذي دفع بدون أي استعداد للقفز في مجالات كثيرة ومتعددة. الحديث لإعادة تخيل وإعادة هندسة نظام التعليم في ظل هذه الأزمة هو حديث عالمي تتداوله جميع الأنظمة التعليمية المتقدمة، أتمنى أن تنضم السعودية لهذا الركب خصوصا و أن غالبية ذوي المصلحة قاموا فعليا بالتحرك تجاه التغيير المنشود في نظام ضخم وصعب الحركة، فلم نعود لما كنا عليه سابقا؟ 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s