Blog Feed

الرقص مع التوتر

:ثلاث مواقف لا أنساها طوال عمري

الموقف الأول: موظف كان ضمن فريقي. جديد بورقته. بعد أول أسبوع عمل أعترف أنه يخاف مني. قال:” لما أجلس جنبك وتكلميني، أحس بتوتر شديد. توترك والضغط اللي بتمري فيه يخوفني”. بعد ثاني أسبوع معي أستقال

الموقف الثاني: موظفة أعطتني كتاب هدية عن كاتبة تحكي قصتها في التوازن بين الحياة والعمل. تبدأ الكاتبة وهي أريانا هافينجتون قصتها وهي تحكي عن سقوطها على الأرض بسبب ضغط العمل. ضحكت في نفسي عندما قرأت المقدمة لأني عرفت سبب إصرارها أن أقرأ الكتاب. هذه الموظفة التي أهدتني الكتاب في يوم من الأيام اختفت. لم تستقل. بل اختفت فجأة ولم ترد على اتصالاتي

الموقف الثالث: كنت على سريري وأطالع في السقف. حامل في شهري السادس. بنت سميناها مريم. شعرت، وأنا أتذكر قائمة مهامي، بعصارة القلق الحارقة تصب في بطني. أتذكر وأنا أقول لنفسي “ان شاء الله بنتي قوية وتتحمل ما تمر به معي”. شعرت بحركتها داخلي، الحمدلله أثبتت قوتها. دخلت شهري السابع وفي زيارة لطبيبتي، أخبرتني أن الجنين توفى منذ مدة، ومن ضغط العمل لم أتنبه لتوقف حركتها. أضطريت ألد ابنتي الميتة. تعالجت نفسيا بعدها لمدة لا يعلمها إلى الله. قضاء الله وقدره، لكن أنا على يقين أن ضغط عملي كان له دور. اكراما لها، أرفض أن يمر هذا الموقف مرور الكرام دون أن أتعلم منه

 مرت على هذه المواقف الثالثة أكثر من 3 سنوات. أشعر أني انسانة مختلفة تماما. وكأني كبرت 30 سنة (ان شاء الله في العقل وليس الشكل)، وسؤالي الأزلي هو

هل الدنيا أبيض وأسود؟

يا نلبس ملابس يوجا ونتأمل ونماستي على الشغل، يا ننحرق في عملنا وندفع الثمن بصحتنا؟

في بالي، أندونيسيا، سألت شخص كان على مرتبة عالية في عمله في أحد المنظمات العالمية، ترك عمله وأصبح معالج يساعد الناس على التشافي بالصوت والأغاني الروحانية. شعره طويل وملابسه بيضاء وواسعة ويتحدث بصوت هادئ. سألني عن سبب زيارتي لبالي فقلت له، مريت بضغوط كثيرة وبأحاول ألاقي حل وسط. أحب عملي لكنه بيضرني بوضعه الحالي، ما أبغى أترك ولا أقدر أترك. أبغى أشوف إذا فيه طريقة الشخص العامل يكون بها منجز وسعيد بدون ما يترك حياته يعمل يوجا على البحر (دعابة سخيفة ودقّة فيه). طالع في وقال بنبرة حسيت فيها استخفاف:

“Huh? Then good luck. Let me know if you figure out a way my dear”

التوجه الجديد في الانستجرام بالتحديد يروج لشراء منتجات تساعد على الاسترخاء، معلمي تنفس ويوجا وتشافي والكلام دا كله، الترويج لقصص أشخاص تركوا أعمالهم وسلكوا مسار “إيجاد الذات والتشافي”. لا أتمنى أن يفهم أي شخص أني أقلل من أهمية هذا كله، لكن مرة ثانية، هل الحياة الوظيفية تعني إما أن يتوفى طفلك داخل بطنك شهر ولا تدري عنه من الانشغال والقلق أو تصبح معلم يوجا يضع صورا جميلة واقتباسات مؤثرة؟ أكيد فيه حل وسط

قرأت العديد من الكتب حول هذا الموضوع ومنها الكتاب اللي أعطتني هو الموظفة التي اختفت. الكثير منها يتحدث عن نمط محدد وجدته مكرر إلى حد كبير. الحصول على الساعات الكافية لك عندما تنام، ٧ او ٨ ساعات. الالتزام بالروتين. تناول غذاء صحي يساعدك على التركيز وعدم الخمول، مارس الرياضة، ضع حدودا في تعاملاتك، مارس التأمل وتمارين التنفس…قائمة طويلة ومكرره لدي تجارب مع الكثير منها وقد أكتب عنها مستقبلا. هي قائمة صحيحة مئة بالمئة وتساعد على الرفع من إنتاجية العمل. لكن المضلل في هذا التوجه هو التركيز على التعامل مع التوتر والقلق دون الحديث عن مصدره.

هذه الحلول بالنسبة لي على الأقل كالرقص حول المشكله (القلق والتوتر الناتج عن العمل) وللتعايش معها وليس لحلها مباشرة. تماما مثل من يشتكي من ديونه ويعتقد أن الحل في تمارين التنفس واليوجا وتخيل أن المشكلة ستحل من نفسها.

فكيف نصمم العمل بشكل يحد من التوتر ويحافظ على التوازن؟

اعجبتني فكره سمعتها في بودكاست سمعته منذ فترة ويتحدث عن الكثير من المواضيع ومنها استخدام صحة فريق العمل (جسديا نفسيا عقليا) كأحد مؤشرات نجاح المشروع. فحتى لو كان المشروع ناجح ماديا لكنه كلف الشركة احتراق احد الموظفين او مرضه، فيعتبر ذلك مؤشر خطير لعدم جدوى ذلك المشروع على صحة الشركة العامة.

تذكرت نفسي أيام عملي في قيادة مشروع كبير مع شركة أوروبية وكنت تحت ضغط نفسي لان

اولا: طريقة تصميم المشروع خرابيط في خرابيط. خطأ في خطأ. تلف حول نفسك مية مره قبل ما توصل وجهتك وهي قدامك

ثانيا: العميل محترم جدا ومن أفضل الناس الذين عملتهم معهم طوال حياتي. لم أود أن أخيب ظنهم

مشكلتي في هذا المشروع انه طريقة تصميمه كلفتني الكثير على مستوى شخصي (المواقف الثلاثة حصلت أثناء عملي فيه). صحيح اتعلمت الكثير، وخرجت منه أقوى بمئة مره لكن كان الثمن غالي جدا جدا جدا

في تأملي لهذا المشروع بالتحديد، خرجت ببعض الدروس الذهبية (على فكره هذه الدروس خرجت بها بعد كم “كف” ثاني بعد المشروع الكبير. . فيه ناس، مثلي، تتعلم ببطأ

نجاح المشروع أو فشله يبدأ من العرض الفني وإجراءات انجاز المشروع التي يتم الاتفاق عليها داخليا في منظمتك ومع العميل

قبل أن تنجرف في تنفيذ المشروع وإرضاء عميلك، قف وقفة صادقة مع نفسك ومع فريقك وحدد أفضل آلية لتسليم العمل. يجب أن يتم التوصل لطريقة تضمن الجودة ، عدم إهدار المورد، وأهمها الوقت على فكرة، وكما تضمن صحة الفريق وعدم الوصول لمرحلة الانحراق أثناء العمل. أثناء عملي مع الشركة الاوروبية، لم أكن حقيقة بحاجة لأي شيء من الدعم العاطفي أو التفهم أو زيادة أعضاء الفريق…كنت ببساطة بحاجة مخ آخر يفكر معي لإعادة تصميم إجراءات العمل لاختصارها والحد من الهدر أثناء التنفيذ

تنبه لو وجدت ان أحد زملائك يمر بذلك. أحيانا الشخص داخل الاعصار لا يستطيع الرؤية والتفكير بشكل واضح لأن همه هو النجاة فقط

الشهرالماضي كلمت الرئيس التنفيذي للشركة وأجهشت بالبكاء (مو شرط تعمل دراما زيي)، فقد بصيرتي مع ضغط العمل وقلة النوم ولم أعد قادرة على الرؤية بشكل شمولي واتخاذ القرارات الصحيحة في مشروع مثل الجيلو، يهتز كل ثانية وفيه تغييرات كثيرة. بعد 20 دقيقة بالضبط حددنا مواقع الخلل والتدخل الأمثل لكل مرحلة. 20 دقيقة أنقذت مشروعي وانتاجيتي. (لو استمعت لأهل الانستجرام، كنت سجلت في كورس يوجا وقرأت بعض المنشورات عن التشافي :). لا تنتظر أن يشعر بك شخص آخر لينقذك، أخبر زملائك ان كنت تشعر بالضياع، مؤشرات الانحراق أو مجرد احتمال الوقوع في مشكلة. عموما، لو انتظرت أن يساعدك شخص آخر بدون أن تطلب ذلك، فلن يشعر أي من زملائك إلا ، عند وقوع مصيبة، مما يعني إحتمالية زيادة نسبة صعوبة إنقاذك

لا تتعلق عاطفيا بإجراءات حتخبطك في الجدار

في احد الاجتماعات مع فريقي، أخبرتهم أن الكثير مما كنا نقوم به سيتم اختصاره وسيعني ذلك فقدان بعض المحتوى (أو الكثير جدا ) الذي تم تطويره خلال عام كامل. أذكر أن أحد أعضاء الفريق غطى وجهه بيديه ودمعت عيناه. قال شخص آخر: لا حول ولا قوة إلا بالله. أعطيتهم الدعم النفسي المطلوب لأننا بشر ونتعلق بأعمالنا ومشاريعنا، لكن ماهو الأفضل…نعمل سنة أخرى بضغط شديد لسنا مضطرين أن نمر به ولا يحتاج العميل نصفه…أو نرمي نصف عملنا القديم الذي لا يمكن اصلاحه والتركيز في تطوير محتوى جديد سيحتاجه العميل من الألف إلى الياء؟ عند تغيير إجراءات العمل، قد تضطر لتوديع بعض أعضاء الفريق، أو قد تضطر إلى البدء من منتصف الطريق أو أوله، لكن تذكر أنه لا يصح إلا الصحيح الذي يرضي ضميرك ويسعد عميلك

لا تقع في فخ الاستعجال

الكل مستعجل لكنه حقيقة غير مستعجل. لا أذكر أي عميل مر علي غير مستعجل على عمله ويتم تسليمه المشروع دون تنفيذه مباشرة! نحن عموما شعب يحب الاستعجال. الاستعجال فخ لا تقع فيه لوسمحت. قد تستعجل وتقفز مباشرة للتنفيذ والتسليم، وتشعر أن التخطيط المحكم للمشروع أقل أهمية. هذا الخطأ قد يجعلك تقع في المزيد من الأخطاء التي تعطل عملك وعميلك المستعجل. او قد تعيد العمل مره ثانيه وانت بتضحك ، وبتدفع من جيبك

حدد الوقت اللازم لإنجاز العمل بشكل منطقي وزد عليه أسبوعين (تستخدمها في حال تأخر العمل، مرضت، تأخر العميل في الرد عليك…). ناقش الوقت اللازم لإنجازه بشكل منطقي مع العميل عند وضع الجدول الزمني للتسليم. اذا عميلك مصر على الاستعجال، زد ميزانية المشروع وأضف عدد الأشخاص اللازمين بحيث لا يضر هذا الضغط صحة فريقك

تصرف بمسؤولية عند رؤية أي علامة إنذار

راقب آلية الانتاج لديك، سواء كان انتاج منتج، محتوى، خطة استراتيجية، وحسن هذه الآلية بشكل مستمر. راقب فريق عملك وملاحظاتهم. اذا وصلك ايميل الساعه ١٢ او ١ في الليل. تحدث مباشرة مع هذا الشخص وفكرا سوية في طريقة أفضل لإنجاز العمل بشكل يضمن توازن كفتي العمل والحياة الخاصة. وهنا يجب علي التوقف للفت نظر اصحاب الاعمال والمدراء ان ساعات العمل الطويلة لا تعني الإنجاز والتفاني في خدمة العميل. ربما من اهم ما يجب على اي قائد القيام به هو القيادة بالمثل في هذا الخصوص. لو قام القائد بالعمل يوميا حتى ساعات متأخرة فسيشعر الفريق انهم ايضا مضطرون للعمل مثل قدوتهم العليا. ربما نعمل لساعات خارج الدوام قبل تسليم مشروع او من فترة لأخرى، لكن تأكد عزيزي القائد ان لا تؤسس ثقافة تعتمد على ذلك كالنمط المعتاد لإنجاز العمل. ستسلم العمل للعميل، لكن سيحترق فريقك وقد تضطر الى توظيف وتدريب كوادر جديدة يكلفك تدريبها كثيرا

رضاك عن آلية الانتاج التي أثبتت نجاحها في أول المشروع، قد لا تنجح بنفس المستوى في منتصف المشروع أو آخره. مرة أخرى، لا تنجرف في تفاصيل التنفيذ (سواء كنت قائد المشروع أو تعمل ضمن فريق). فكر من فترة لأخرى، هل هذه أفضل طريقة لإنجاز العمل؟ كيف يمكن تحسينها؟

فعِّل الوضع الصامت

وصلنا الان لبيت القصيد، وأكثر نقطة فرقت الكثير في انتاجيتي، وهي خاصية الميوت- الوضع الصامت. من سمات هذه الخاصية أنك تحمي عقلك وأفكارك ومشارعرك من الضوضاء التي لا تعنيك. إذا اشتكى أحد أعضاء فريقك عن طلبية غدائه التي لم تناسبه أو موقف مر به أثناء حديثه مع زميله. اختصر الحديث وذكره بأنك لم تنته من قائمة مهامك لليوم. أعتقد أن مدى الخجل الذي نشعر به عند الاعتذار من محادثة طويله شيء عجيب جدا. يجب أن لا نشعر بالخجل أمام الناس عندما نحمي وقتنا مادمت توضح حدودك وأولوياتك بلطف مع فريقك.

اذكر في الأسبوع الماضي زارتني في مكتبي زميلتي من فريق أخر، وجلست امامي وقالت: “كيف إجازتك؟ ايش اخبارك؟ كيف ولدك؟ كيف بيتك؟ كيف اهلك؟ كيف زوجك؟ كيف أخواتك؟”. قلت لها احبك والله ووحشتيني كتير، بس عندي تسليم اليوم ومره مشغولة. اخلص واجيكي ندردش؟ وهكذا انتهى الموضوع وعدت لمزاولة عملي اللي هوا أكل عيشي وعيشها.

خد بالك من عقلك

هي مقطوعة موسيقية شهيرة لعمر خيرات، لكنها تنطبق بشكل مضحك على العمل! انتبه على عقلك، على تفكيرك، على صفاء تدفق الأفكار وكن على وعي لكل ما يلوثه. ننتبه كثيرا لصحة جسدنا، طعامنا ونوع التمارين التي نقوم بها وتقوم الدنيا وتتزلزل في حال الخطأ لكننا نسمح لأنفسنا بإنتهاك حرمة عقولنا. أعدنا برمجتها على تقبل تشتت الأفكار، كتابة سطر في ايميل، من ثم التنبه لتغريدة جديدة، مما ينقلك لسناب شات مما ينقلك إلى رسالة واتساب أخرى مما ينقلك إلى إشعار بوصول إيميل جديد وهناك تتذكر أنك كنت تريد كتابة ايميل.

أصبحت معروفة في العمل بكرهي لمجموعات واتساب وأصبحت أعلن الحرب عليها علانية لأن تغيير عادات المجتمع في ارسال الرسائل العشوائية معركة خاسرة بالنسبة لي فأصبحت أختصر ذلك بخروجي من الجروبات التي لا أؤمن بأهميتها، ولا أقرأ الرسائل في الجروبات التي جبرت أن أنضم لها. لا ابالغ عندما أقول أن جودة حياتي تتحسن بشكل ملحوظ عند خروجي من جروب واحد في واتساب. أنا أقوم بذلك للحد من توتري، لمساعدة ذاتي في التركيز على أولوياتي ولحماية عقلي من التشتت.

اختصر كلامك وساعد فريقك يختصر الكلام الطويل، قفل السوشال ميديا اثناء عملك، ضع اجندة واضحة في اجتماعاتك. يجب ان نركز اكثر على أهمية ادارة الوقت اثناء ساعات الدوام حتى لا ترجع الى منزلك وتقصر في حقك وحق اسرتك ليس لانك تعاني من الضغط، بل لانك ، أضعت وقتك اثناء الدوام في متشتتات أخذت اكبر من حقها. خذ بالك من عقلك، لا تعوده على التشتت، على عدم الانتباه، على انقطاع حبل الأفكار كل 5 دقائق. ان لم تقم أنت بحماية عقلك، فلم يقوم أحد بذلك نيابة عنك

التعامل مع مستوى اداء فريقك

اذكر قصة ملهمة من كتاب د. غازي القصيبي “حياة في الادارة” عن سائق شخصي تسبب في حادث. بالرغم من وجود مؤشرات تنبه لعدم قدرة هذا السائق لآداء عمله، الا انه تم إكمال التعاقد معه لأسباب شخصية وعاطفية (السائق له عمر طويل مع الاسرة). بعد الحادث، تم التخلي عن هذا السائق. الشاهد هنا، لا تنتظر وقوع حادث في مشروعك بسبب عضو فريق ضعيف. اذا لديك شخص غير فعال في عمله، حاول تطوير قدراته، اذا لم ينجح ذلك، حاول ايجاد فرصة اخرى له في منظمتك، اذا الوضع مازال استثمار غير صحيح، قم بعمل الصحيح في حقك وحق منظمتك وحق هذا الشخص ايضا ودعه يكتشف ويطور من قدراته في مكان اخر يستطيع احتوائه. التوظيف غير الصحيح مكلف جدا، لانك قد تعتقد ان فريقك متكامل، لكن عند التنفيذ تعاني في شرح المطلوب خمسمئة مره وإعادة العمل بعد تسليمه. هذا الشيء يضر ثقة الشخص الذي تم تكليفه بعمل لا يثير شغفه. الخطر الاكبر ان يؤثر ذلك على باقي أعضاء الفريق المتميزين عندما تتساوى معاملتهم مع من لا ينجز بنفس المستوى او ان يعتقدوا ان مستوى الإنجاز المتواضع مقبول في منظمتك ويغض الطرف عنه. عضو الفريق الخاطىء مثل نقطة الحبر في الماء الصافي. تعامل معه مباشرة.

التفويض لا بد منه

التفويض مهارة لازلت أعاني في بنائها لدي لاني أعاني من مشكله اكبر وهي أني اجد صعوبة شديدة في الثقة في الغير. العميل بالنسبة لي شخص جديد أتبناه في اسرتي، ويهمني جدا نجاحه اثناء وبعد تعاقدنا. لهذا، من الصعب علي ان أوكل اي مهمة لشخص اخر لا اثق مليون في المئة بقدراته. وهنا يقع الفاس في الرأس في المشاريع الكبيره. تزيد المهام وتزيد المسؤوليات على راس شخص واحد لم يقم ببناء قدرات فريقه ولا يستطيع تفويض المهام لهم. خبرتي السيئة في التفويض ليست بسبب وجود خلل في مبدأ التفويض لكن لعدم فهمي لكيفية تطبيقه. كنت أفوض مهامي لأشخاص أعتقد بالنظر لسيرتهم الذاتية أنهم أكفاء، وبعد التورط مع العميل، أكتشف أني فوضت المهام للشخص الخطأ. التفويض فن ومسؤولية لايتم تسليمها لأي شخص بشكل عشوائي بل هو تكليف يتم تتويجه لمن يكسبه .

لا تعمل من اجل غيرك

هذه نصيحة المليون دولار بالنسبة لي، لاني عانيت حتى شخصت هذه المشكله في محيطي واستطعت التغلب عليها. حتى تحافظ على إنتاجيتك يجب عليك ان تحافظ على تركيزك. كلام جميل وواقعي. لكن، بالنسبة لي على الأقل، حتى احافظ على تركيزي، يجب ان يكون الدافع للعمل داخلي وليس خارجي. ليس الحصول على الترقية او ارضاء اي شخص مهما كان. لو جاء وزير التعليم بذاته (أنا أعمل في مجال التعليم) وأثنى على عملي، سأشعر بالسعادة بالتأكيد، لكن الرضا ينبع من داخلي. المشكله هنا اننا عندما نكون فرق عمل ترتكز إنتاجيتها على آراء غيرنا، فسيسعد الفريق عند تسليم العمل الذي سيسعد القائد، وستنهار معنويات الفريق في حال عدم الحصول على التغذية الراجعة الإيجابية التي قد لا يقدمها القائد لانشغاله او لأي سبب اخر. يؤثر ذلك على الإنجاز لأننا نبني فريقا لا يتحرك الا عندما يتم تشجيعه والاثناء على عمله. الأسوأ من ذلك، ان سقف إنجازهم مرتبط بتوقعات شخص اخر وليس ذواتهم او أقصى قدراتهم. أيضا، لن يستطيع الفريق الإبداع لان ذهنه مشغول بإرضاء القائد وليس كيفية حل هذه المشكلة التي يعاني منها العميل.

فما الذي يجب ان تقوم به كعضو في فريق العمل؟ تذكر أن العمل هو جزء منفصل من ذاتك، فإذا نجح المشروع، مبروك، نجح المشروع. واذا تعثر المشروع، فلا يعني ذلك فشلك شخصيا. ستحتاج الى الكثير من الوقت حتى تتعود على تطبيق ذلك.

ما الذي يجب عليك ان تقوم به كقائد فريق عمل او صاحب مؤسسة؟ مارس القيادة وليس التسلط يا أخي. دع مساحة لفريقك ليشعر بامتلاك المشروع . اخلق مساحة آمنة للتعلم، وممارسة الأخطاء. حتى وان كنت تعلم ان فريقك يقوم بخطوة خاطئة (لا تشكل خطر على المشروع) فدعهم يتعلموا من خطئهم. اذا نجح المشروع، دعهم هم يعلنوا عن ذلك لزملائهم (وليس أنت – تذكر، لو أصبح رأيك هو دافع الفريق، فلن تحصل على أفضل ما لديهم)، اذا قاموا بشيء بشكل صحيح، قدم تغذية راجعة عن العمليات والإجراءات وليس شخص من قام بالعمل. لا تقل (احسنت – أنا فخور بك) بل (النظام الجديد الذي قمت بتصميمه لتطوير المحتوى المطلوب اختصر وقت الانتاج ورفع جودة المحتوى بشكل أفضل مما قمنا به في الدورة السابقة) – على سبيل المثال

نعود مرة اخرى للب موضوع هذه المدونة. التوتر والقلق جزء من الحياة لا يمكن تفاديه، ويوجد أشخاص اقل قدرة من غيرهم في التعامل معه (ربما أنا في مكان ما تحت القاع). المواقف الثلاثة التي مررت بها ربما كانت اخف وقعا او اقل اذا مارست الرياضة، ونلت قسطا كافيا من النوم، وتأملت لمدة ٥ دقائق يوميا حتى أستطيع التعامل مع التوتر بدون دراما. لكن في واقع الامر، مصدر التوتر في حالتي كان بيئة العمل وطريقة تصميم المشاريع وتفاعلي معها. حدد مصدر التوتر في حياتك، وقم بتصميم حلول بشكل يحد من ذلك. لكن إياك وإياك ان تكتفي بالرقص حوله.

تعليم ما بعد الكورونا

في لقاء نظمته منصة أعناب لدعم أولياء الأمور لتطبيق التعليم عن بعد، سألني أحد مشاركين عن رأينا فيما إذا ستتحول المدارس إلى مدارس افتراضية بعد انتهاء أزمة كورونا؟

أجبته بأني لا أتوقع ان تصبح المدارس افتراضية بحته، وانما سنشعر بالراحة والثقة أكثر لاستخدام التعليم عن بعد في حال اغلاق المدارس بسبب الأمطار أو العواصف الرملية وللتواصل مع أولياء الأمور. كانت اجابتي مقتضبة ومقتصرة على الجانب التقني فقط، لكني أعتقد أن التغيير في مجال التعليم يجب أن لا يقتصر على استخدام وسائل تقنية جديدة فقط، بل يجب أن يشتمل على الدروس التي تعلمناها من هذه الجائحة والتي تخص تطوير كيفية تعلم الطلاب وما يتعلمه الطلاب. إغلاق المدارس مفاجأة هزت الوسط التعليمي ونفضت غباره مرغما للتماشي مع قواعد جديدة في اتجاه ايجابي يدفعنا لانتهاز الفرصة للتفكير فيما نود الاحتفاظ به وتنميته بعد انتهاء الجائحة

هذه بعض النقاط التي أتوقع أن يتأثر بها النظام التعليمي في السعودية أو خارجها

ساعات تعليمية مرنة: تماما مثل ما نتوقع تطبيق ساعات عمل مرنة أكثر في كافة قطاعات العمل، قد تصبح لدينا أيام افتراضية اكثر وتواصل أعمق بين المعلمين وطلابهم خارج ساعات المدرسة

اختلاف دور أولياء الأمور في العملية التعليمية: لن يشعر أولياء الأمور بالاحترام الشديد للمعلمين فقط، بل ان خبرتهم المباشرة في معرفة المحتوى والقاء الدروس ستزيد من نسبة مشاركتهم في دعم المعلمين لتحقيق الأهداف التعليمية بشكل فعال أكثر،وسيؤدي ذلك إلى مردود ايجابي على تعلم الطلاب ونموهم

زيادة المحتوى التعليمي العربي بجودة عالية: أغلب المنصات المتاحة حاليا هي عبارة عن مجرد منصات تتيح التواصل والتفاعل دون وجود قوي للمحتوى العربي. أتوقع بعد هذه الأزمة وتعرف المعلم والطلاب على نقاط قوة وضعف المنصات اللاكترونية الحالية أن يتفاعل المعلم أكثر في صناعة محتوى عربي بجودة عالية يمكن استخدامه بشكل فعال في هذه المنصات

محتوى منهجي مختصر: أتوقع أننا سنملك نظرة مختلفة لمعنى المنهج أي قد يتم اقتصاره على المهارات الأساسية التي يحتاج الطالب لتعلمها دون الحشو اللامنطقي الموجود حاليا في مناهجنا. الضغط الزمني لانهاء المنهج خلال هذه الفترة دفع المعلمين للتركيز في أولويات المنهج مع التغاضي عن التفاصيل أو الأهداف الأقل أهمية، فربما سيظل المنهج مقتصرا على ما قل ودل

اهتمام أكبر بالعلوم والأبحاث: مهارات التفكير العلمي مثل التقصي وحل المشكلات والتي احتجناها لحل مشكلات طبية واجتماعية وغير ذلك، سيتم النظر بها مرة أخرى لإعادة دمجها بشكل أقوى في مناهجنا حتى تترسخ كطرق تفكير دائمة لدى طلابنا  

خلق الفرص التي تتيح للطالب المساهمة في خدمة مجتمعه: يجب تنمية استشعار دور المواطن ومسؤوليته تجاه مجتمعه الذي يتأثر بالقرارات اليومية التي نتخذها دون تفكير حيث يرى الصلة التي تربطه بالمجتمع والوطن دون الاتكال الكلي على الجهات الحكومية أو غيرها لتطوير المجتمع. هذه الصلة التي تكونت خلال الجائحة أتمنى ألا تضيع بعد انتهائها وأن يرعاها النظام التعليمي الذي يجب أن يحقق أهداف تمتد للمجتمع بكافة شرائحه

اهتمام اكبر بالنمو الشخصي للطالب عوضا عن الاقتصار على النمو الأكاديمي: الطالب خلال هذه الفترة يعتمد على ذاته لتحقيق أهدافه التعليمية وإنجاز واجباته (لطلاب المرحلة المتوسطة فما فوق)، لهذا، من المعيب أن نرجع هذا الطالب خطوة إلى الوراء في اعتماده الكلي على المعلم لتلقينه المعلومات وتقديم التغذية الراجعة له. أيضا، استثمر الكثير من الطلاب أوقاتهم في تعلم مهارات جديدة لم يتسع لها نظام التعليم التقليدي والتي أتمنى أن يواظب الطلاب على تنميتها خلال الفترات المقبلة دون الحاجة إلى حظر منزلي

نمو الجانب الروحي والديني: عندما اشتد الظلام، استشعرنا مدى ضعفنا وقلة حيلتنا كبشر. اختلف لدينا مفهوم التوكل على الله ليصل إلى أبعاد جديدة وعميقة. هذه الجائحة فرصة لانشاء علاقة جديدة تحث الطالب على استشعار المسؤولية المناطة به من منظور ديني تجاه اعمار الأرض والحفاظ عليها، معرفة معنى التوكل والأخذ بالأسباب، وتقدير النعم اليومية التي كانت من المسلمات قبل الجائحة

أعتقد أن أزمة كورونا مثل معلم السباحة الذي دفع طالبه الخائف في المسبح لأول مرة دون العوامات. فماذا حدث؟ اضطر الطالب لتعلم السباحة فورا حتى وان لم يتقنها. أرى أنه من المعيب أن تعاود المدارس فتح أبوابها مرة ثانية ليعاود المعلمون التدريس لتغطية المنهج والطلاب لحفظه بنفس الطريقة التقليدية، كما هو من المعيب أن يعود الطالب الذي تعلم السباحة إلى استخدام العوامات مرة ثانية

جائحة كوفيد 19 فرصة ذهبية لإعادة تصميم نظام التعليم الذي دفع بدون أي استعداد للقفز في مجالات كثيرة ومتعددة. الحديث لإعادة تخيل وإعادة هندسة نظام التعليم في ظل هذه الأزمة هو حديث عالمي تتداوله جميع الأنظمة التعليمية المتقدمة، أتمنى أن تنضم السعودية لهذا الركب خصوصا و أن غالبية ذوي المصلحة قاموا فعليا بالتحرك تجاه التغيير المنشود في نظام ضخم وصعب الحركة، فلم نعود لما كنا عليه سابقا؟ 

قضية الأم العاملة: تدوينة للمرأة والرجل

.بعد فترة من السفر بين جدة والرياض، أعتقد أني كنت أحمل شنطتي الثقيلة على كتف واحد وأصبح يؤلمني جدا

جلست أمام الطبيب، عرفته بنفسي وعملي وما إلى ذلك، دخلنا في تاريخي الطبي ووصلنا إلى عدد الأطفال. أخبرته لدي طفل واحد عمره 6 سنوات في ذلك الوقت. سألني عن سبب عدم إنجاب أطفال أخرين، قلتله الله ما كتب. وكان المفروض أن ينتهي النقاش عند ذلك، لكنه لم يتوقف. نظر إلى وقال: أصلا اللي زيك المفروض يكون عندهم طفل واحد. يعني إنت بين جدة والرياض ومشغولة هنا وهناك. مين يهتم بولدك؟ قلتله زوجي (هو أبوه على فكرة برضه) وأمي الله يعطيها العافية وكما أني أحرص على تمضية ساعات قليلة بجودة عالية معه كل يوم. قال: يعني يطلعلنا جيل أمهاتهم ماهم موجودين. شيء غريب، أنا في الطب لي عشرات السنين وبدأت مؤخرا أشوف “هذه الفئة” (شعرت أني نوع من الفطريات) اللي تقول أجدول مواعيد علاجي حسب جدول سفري

!!!نتوقف هنا قليلا

أنا لست “نسوية” وصراحة لا أعرف ما يعنيه هذا المصطلح بالتحديد. لكن تخيلت لو كان زوجي هو من كان في مقعد المريض وكان يجدول مواعيد جلسات العلاج الطبيعي بناء على تواريخ سفره. هل كان سيستمع لذلك التعليق الجارح؟ أتوقع أن الاجابة هي لا وبقوة

ربما لأني أعمل لمدة تتجاوز 10 سنوات وتعودت على سماع تعليقات غريبة يتفضل بها الغرباء والأقرباء فأصبح مثل هذا الكلام “من الإذن للإذن” ولا يهز شعرة في رأسي، لكن بالتأكيد سيتأثر غيري أو لو ذهبت وأنا أشعر حينها بالذنب وبالضعف، ربما كان سيتحول موعد العلاج الطبيعي لموعد علاج نفسي

القرارات اليومية التي أتخذها كأم عاملة صعبة ولا تتبع معادلة واحدة تنطبق على جميع المواقف. تخلفت عن حضور بعض المناسبات المدرسية لإبني لأني كنت مرتبطة مسبقا بمواعيد خارج مدينتي مع عملائي. تخلفت عن حضور حفلتين مدرسية، زواج أخت زوجي، واحتفال يوم الأم في مدرسة ولدي ومؤخرا جدولت إجتماع أولياء الأمور في اليوم الخاطىء في تقويمي وأنا مستعجلة فبالتالي فات الموعد ولم أحضر. هل شعرت بالحزن لحدوث كل هذه المواقف؟ طبعا نعم. لو عاد الزمن للوراء، هل كنت سأقوم باتخاذ قرار مختلف؟ لا. سأشرح ذلك هنا

عمل المرأة أولوية لصحتها النفسية

قرأت في كتاب (نادي الساعة الخامسة صباحا) أن من لا يعمل لتحقيق هدفه وفكرته، فإن تلك الطاقة الإيجابية تتحول لطاقة سلبية مدمرة. ينتهي المطاف بان تشعر بأنك ضحية الزمان والظروف، أنك غير مجدي، وأن قيمة ذاتك لا تثبت إلا عند الانتقاص من قيمة غيرك

أعجبتني المقولة. لا أعرف إذا كان لها أي مرجع علمي لكنها بدت منطقية بالنسبة لي. الفكرة هنا، أن الله خلقني بهذه الطاقة لبناء القدرات في مجال التعليم (مجال عملي). وأعلم أن هذه الطاقة مثل النهر الجارف، إن لم أعمل على إخراجها في المسار الصحيح فستقوم بتدميري. هذا واجبي تجاه ذاتي، والمحافظة على ذاتي أولوية تسبق أي شيء وكل شيء. ببساطة أنا وغيري من “هذه الفئة حسب كلام الطبيب” لو لم نعمل، فسنصاب بالجنون والمرض بسبب الفراغ والطاقة الذهنية والإبداعية المكبوتة (جربتها، بالفعل أصبحت مجنونة وزوجي يرجوني أن أخرج من البيت للعمل). الاعتقاد السائد أن الأم التي تظل في بيتها لترعى أطفالها أفضل من غيرها غير صحيح أبدا لأن نوعية الوقت التي تمضيه مع اطفالك أهم من الكمية. والأم السعيدة أفضل من الأم التي تشعر أنها ضحية الزمان والظروف. في الأخير، الأم إنسانة من واجباتها إعمار الأرض الذي لا يقتصر على الإنجاب فقط، وإختيار البعض بأن يقتصر دورهم على الإنجاب لا يعني أن ذلك هو المسار الوحيد الصحيح لكل نساء الكون  

التوازن بين العمل والبيت خرافة

أضحك في نفسي كلما سمعت شخص يشارك في الراديو ويخبره المذيع: لوسمحت قصّر الصوت واسمعني من التلفون وليس الراديو عشان الصدى. هوا لسه فيه ناس لا تعرف هذه المعلومة التي يرددها المذيعين منذ اختراع الراديو؟. نفس الإحساس والشعور بالضحك ينتابني عند سؤال أي مرأة أو أم عاملة في أي منتدى أو أي منصة عن التوازن بين كفتي العمل والمنزل. هذا هو السؤال المكرر الذي بدأت أشعر بالملل تجاهه، تماما مثل شعور المذيع مع المتصل الذي يستمع له من الراديو. هل يوجد شخص يعيش حياته بتوازن طوال الوقت؟ لم يمر علي ذلك قط. التوازن هو الهدف بالتأكيد واختلاله هو الواقع المر. قد تفوز كفة المنزل أحيانا وقد تفوز كفة العمل أحيانا أخرى حسب الموقف ومعطياته ومتطلباته. توقفت عن جلد الذات وتقبل هذه الحقيقة حتى أعيش بسلام مع ذاتي لأن مسؤوليات الأم العاملة تضاعفت خلال السنوات الماضية دون تقدم يذكر في الدعم المقدم لها لرعاية أطفالها أثناء العمل

لا يوجد دعم حقيقي للأم العاملة، اخلقي نظامك ولو من تحت الأرض

أحصل على الكثير (الكثييير) من الدعم من والدتي وزوجي ولا أعتقد أني كنت سأقدر أن أعمل بدون مساعدتهم. قبل تحديد مواعيد سفري مع أي من العملاء، أأكدها أولا مع زوجي، وفي حال سفره، أنسقها مع أمي التي أضع معها جدول ابني وكافة الأنشطة التي سيقوم بها. في فترة من الفترات، كنت أقوم بأعمال حرة في مشاريع مستقلة، فكنت أجدول مواعيد اجتماعاتي حسب مواعيد رضعات إبني ومواعيد قيلولته (في أخر المشروع، أتوقع أن العميل استنتج نمط المواعيد المكرر وسببها!). أثناء الإجازات الصيفية الطويلة، اخترعت تدريب صيفي لإبني في عملي (مهامه اشتملت على غسيل أكواب القهوة وعمل بعض الأنشطة الكتابية والتلوين). الفكرة هنا أن الأم العاملة يجب أن تفكر خارج الصندوق وفوقه وتحته لإيجاد نظام دعم متنوع المصادر حتى تستطيع ممارسة أعمالها. مهما كان ذلك صعبا، لا تتوقفي لأن

جلوسك في المنزل مكلف أكثر من بقائك في العمل

حتى وان قمتِ بصرف دخلك في استقطاب مربية لترعى ابنك خلال ساعات عملك، فإن ذلك يعتبر أقل ضررا من ناحية مادية مقارنة بجلوسك في المنزل وفقد سنة أو سنتين من الخبرة في العمل. كما أن فرص عودتك للعمل بعد سنوات من الجلوس في المنزل تعتبر أصعب. قد تختاري الجلوس في المنزل لفترة ما، لكن كلما طالت الفترة كلما صعب الرجوع، كما أن الكثير من النساء العاملات لا يعتبرن العمل رفاهية، بل ضرورة مادية لمساهمتهن في مصاريف المنزل. أغلب النساء العاملات في دائرتي يساهمن ماديا لتحقيق متطلبات أسرهن المباشرة أو الممتدة، والعمل بالنسبة لهن ضرورة وليس مجرد هواية لقتل وقت الفراغ  

كيف ممكن تساعد الأم العاملة؟

الدعم الذي يجب تقديمه قد يتطلب تغيير بعض السياسات (مثل إيجاد حضانات في كل مواقع العمل، تقديم خدمات رعاية أطفال بعد ساعات المدرسة…إلخ)  لكن حتى يحدث ذلك أتوقع مضي الكثير من الوقت حتى يتم سد الفجوة المطلوبة في البنية التحتية. توجد بعض الحلول البسيطة التي لا تتطلب سوى بعض التفهم والتقدير للإنسانة التي تحاول بذل قصارى جهدها في منزلها وعملها، فمثلا 

قم بإختيار الأنسب في الوظائف والمشاريع بناء على الكفاءات والقدرات وليس الحالة الإجتماعية. في أحد المقابلات لتوظيف مستشار أو مستشارة جديدة في مقر عملي، أخبرتي المتقدمة على الوظيفة انها متزوجة، وبنبرة مليئة بالإعتذار، أضافت أنها تود إنجاب الأطفال. ثم وعدتني وبسرعة وإلحاح شديد أن ذلك لن يؤثر على عملها وأني يجب أن اعاملها مثل غيرها. حقيقة شعرت بالحزن الشديد لأنها تبرر لي وتعتذر لممارسة حقها الطبيعي كإمرأة متزوجة (وذلك شيء لن يخطر على بال أي رجل متزوج يقوم بالتقديم لأي وظيفة). خلال سنوات عملي وجدت أن الأمهات العاملات لا يختلفن في الإنتاجية عن غيرهن إن توفرت لهن المرونة اللازمة للموازنة بين الكفتين. ساعات العمل المرنة من أهم العوامل التي تساعد الأم على ذلك، فالأم، وإن أصبح الأب يشارك أكثر في المهام التربوية، لازالت هي التي تتابع أداء أولادها في المدرسة بشكل اكبر، وهي التي تتغيب عن عملها إذا مرض أحدهم

أيضا، أرحمونا من جدولة الإجتماعات خارج ساعات الدوام في أخر لحظة. عندما تطلب من الأم العاملة حضور إجتماع مفاجيء، تأكد من إمكانيتها لتحقيق ذلك أولا، لأنها في أغلب الظن، يجب أن تقوم بالتنسيق مع من يقوم بالعناية بأطفالها للتأكد من قدرتهم على التواجد لساعات إضافية مع الأطفال. مارس مهارة التعاطف مع غيرك وفكر في ظروفهم دون القفز مباشرة في التفكير في كيفية إنهاء العمل المطلوب حتى وان تطلب ذلك أن تدوس على إحتياجات فريقك الأسرية.

إذا إضطريت لطلب شيء خارج ساعات الدوام، إسالها إذا كان الوقت مناسب لذلك. قبل أسبوعين كنت حرفيا أطارد أحد عملائي للحصول على تغذية راجعة بخصوص أحد المهام التي قمنا بها. لم يرد على اتصالاتي ولا ايميلاتي. المهم، في يوم خميس وانا أتناول العشاء مع ابني الساعة 8 مساءا اتصل علي وقررت الرد لأن انهاء هذا الموضوع المعلق مهم بالنسبة لي وللشركة حتى نصدر فاتورة ونحل مشاكل السيولة لدينا. أخبرني أن واحد واثنان وثلاثة وأربعة وخمسة ضرورية للتعديل و…أوه ستة وسبعة مقترحات اختيارية. قائمة طويلة عريضة. كتبت ما تذكرت من ملاحظاته بسرعة على جوالي وأعدتها عليه للتأكيد. نظرت في الساعة، مضت نصف ساعة وأنا مع الأخ على الهاتف، بحثت عن ابني، كان قد انتهى من عشائه وذهب لغرفته للإستعداد للنوم

شعرت بالذنب وغضبت من نفسي ومن هذا الشخص الذي يتواصل معي في الوقت الملائم لجدوله هو فقط وليس مع الوقت المنطقي خلال ساعات العمل. عندما تطلب شيء خارج ساعات العمل وبشكل مفاجئ، فتأكد أن الأم العاملة ستود إثبات ذاتها في العمل وستقطع من وقتها مع أولادها لتعوض سوء تنظيمك لمهام العمل والأولويات أثناء ساعات الدوام. كل ماهو مطلوب منك هو مجرد أن تسأل إذا بإمكانها عمل المطلوب وأعطها أكثر من خيار واحد لكيفية إنجازه خلال مدة زمنية معينة. دعها هي تختار كيفية تنظيم وقتها بالشكل الأنسب لها ولأسرتها فقد تعمل بعد قراءة قصة ما قبل النوم، أو أن ترسل أطفالها للعب عند الجيران، أو أي شيء أخر… لكن لا تجبرها (ولو نفسيا فقط) أن تعمل في ساعات محددة خارج الدوام لتسليم شيء غير مستعجل. هذا فيما يخص أصحاب العمل والمدراء من الرجال أو حتى النساء. بالنسبة للمجتمع بشكل عام فأرجو منكم

!!التوقف عن ممارسة الابتزاز العاطفي

فمثلا توقفوا عن ذكر العبارات التي على سياق

ابنك يبكي كثيرا في المدرسة…أكيد لأنه لا يرى امه بشكل كاف في البيت

أعتقد أن ابنتك تحب العاملة المنزلية أكثر منك

!!هذه هي العبارة التي تضحكني دائما لتناقضها…طفلك متعلق بك كثيرا لأنه لا يراك كثيرا

هممم وهذه العبارة التي ربما تسمعها الكثير من الأمهات والنساء العاملات…زوجك حيتزوج عليك لو استمريتي بالعمل بهذه الطريقة

عمل المرأة ضرورة، التضحية أحيانا واجبة، وعلاقتها بزوجها وأولادها ببساطة شيء لا يخصكم

أعلم أن الحديث عن المرأة العاملة ممل ومستهلك، لكني في قلب الميدان وأرى أنه مازالت تواجهنا الكثير من العقبات والمعتقدات التي تعرقل مسيرتنا المهنية. لولا أن أسرتي متواجدة معي وتسد الثغرات غير الداعمة في العمل، لربما كنت استقلت وأصبحت مكتئبة رسميا في منزلي…ربما. لكن الحمدلله على نعمة الأسرة الداعمة، فلولاهم كنت سأحرم من تدريب عدد يتجاوز الألفين معلم ومعلمة، ولما درّست مئات الطالبات الجامعيات، ولما عملت على تأسيس وتطوير مجموعة من أفضل المدارس الرائدة في المملكة (برأي على القليل!)، ولما تعرفت على مجموعة من أفضل الأشخاص الذين أعمل معهم يوميا والأهم من ذلك أني كنت سأحرم من الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها والتي صقلتني لما أنا عليه اليوم. أعتقد أن تلك الأيام والليالي التي تركت بها ابني قليلا لم تضع سدى

بالأمس وبعد انتهائي من قراءة قصة ما قبل النوم مع ولدي الذي يبلغ الثامنة من عمره، سألته إذا يود أن أترك عملي وأظل في المنزل. نظر إلي باستغراب وسألني: فيه أمهات يجلسوا في البيت وما يشتغلوا؟ ايش يعملوا؟ أخبرته نعم بعض الأمهات يخترن البقاء في المنزل. فقال بأنه يود أن يراني أعمل كما أنا حاليا لأنه يحب أن يرى أمه ناجحة في عملها (وحتى أشتري له الألعاب من راتبي، لكن هذا موضوع أخر)…أتمنى أن يكبر هذا الطفل ليصبح رجلا يدعم زوجته وبناته مستقبلا للدراسة والعمل وتحقيق طموحهن. أما بالنسبة لذلك الطبيب الذي ذهبت إليه لعلاج كتفي، فأعتقد أن رأيه في عملي وأمومتي خاطئ جدا

المراجع

Lean In بعض الأفكار مستقاة من كتاب شيريل ساندبيرج

الشجار في العمل

دائما أقول أن الزواج والأمومة هما أكبردورتان تطوير ذات مستمرة، لأنك حتى تنجح في هذه الدورات، يجب عليك تقبل وجهات النظر المختلفة، تفهم مشاعرك، ومشاعر الطرف الأخر والوصول لحل مشترك بشكل حضاري. إن لم تفهم ذاتك، ولم تتفهم الطرف الأخر، فأي وجهة نظر مخالفة ستنتهي بالشجار لأنك ستأخذ هذا الخلاف بشكل شخصي. عادة ما أنصح المقبلات على الزواج أن تحتفظ بجزء من مهرها للعلاج النفسي خلال أول سنة (أو سنتين أو عشرة…على حسب!) وتلك ليست مجرد نكتة، بل لأن في أول فترة تجبر فيها على التعايش مع شخص آخر، وإن كنت تحبه وبشده، تجد أنك تشعر بالاضطراب لوجود وجهة نظر مخالفة في بعض الأمور (أو الكثير منها او كل شيء تقوم به :).  

مؤخرا قمت بإضافة “العمل” لقائمة هذه الدورات الحياتية التي تجبرك على النمو لأن العمل يتشارك مع الوالدية والزواج في أهمية تقبل وجهات النظر المختلفة مع تفهم كبير لما يؤثر عليك ويؤثر على غيرك. بالرغم من اتفاق جميع الأطراف في الزواج والوالدية والعمل على تحقيق هدف محدد (مثل تربية الأولاد تربية سليمة، تحقيق نسبة مبيعات معينة، طرح منتج جديد)، إلا أن مشاعرنا المتراكمة وظروفنا الخاصة قد تحجب عنا الرؤية مؤقتا فتأخذ تصرفاتنا منحنى شخصي وغير مهني أبدا عند التعامل مع غيرنا…وقد ينتهي الأمر بالشجار. مجرد اجتماع لوضع حلول مقترحة لحل مشكلة ما، قد ينتهي بصراع من نوع “البقاء للأقوى” لإثبات الذات وليس لتحقيق الهدف المشترك والوصول لحل للمشكلة. 

عندما تطفح “بلاعة” في المنزل، من السهل أن ننظف الأرض من حولها، لكن من الصعب أن تنظف الماسورة المسدودة التي أدت لهذه المشكلة. لو غيرت من آلية العمل أو تصرفت وكأن المشكلة لم تحدث دون تنظيف “الماسورة” هنا، فستجد أن نفس المشكلة ونفس الشجار يعيد ذاته بأشكال متنوعة. الغوص في الذات وتحديد مسببات الشجار والخلاف عملية صعبة ولا نحب الخوض بها، والحديث عن العواطف والمشاعر قد لا ينظر له أنه شيء احترافي ومهني ويليق بالعمل. لكن الحقيقة المُرَّة أن أغلب الشجارات عبارة عن تراكمات شخصية لم ننظفها حتى انسدت الماسورة.   

في أول وظيفة لي منذ اثنا عشرة عاما، كنت معلمة تربية خاصة لطلاب يعانون من اضطرابات في السمع وبعضهم يعانون من مشاكل سلوكية. أول نصيحة قامت مدربتي بإعطائي هي بأن أتنبه لمؤشرات السلوك الذي أود تغييره وعمل اللازم لتفادي هذه المؤشرات. صراحة، أخذت هذه النصيحة وطبقتها مع طلابي، ومع زميلاتي، وصديقاتي ومن ثم مع زوجي وولدي والعالم أجمع، لأنها نصيحة ذهبية ومن العيار الثقيل. إذا كان السلوك الذي نود أن نتفاداه في العمل هو الشجار، فما هي المؤشرات التي يجب أن تتنبه لها لتمنع الشجار من الوقوع؟

انتبه للأفكار التي تخلق شجارا مع نفسك (ومن ثم مع غيرك)

أخذت منذ فترة إجازة قصيرة لأرتاح بعد تسليم مشروع كبير ووصيت المكتب أن لا يتواصل معي إلا في حالة وفاة أحدهم (حتى تصل رسالتي لهم بدراما قوية)، بعدها بيوم تواصلت معي إدارية وطلبت توقيعي على ورقة مستعجلة، قلت في نفسي يلا معليش هي مجرد ورقة واحدة، فطلبت منها تنتظرني عند الاستقبال حتى أوقعها وأنقلع سريعا خارج المكتب. في نفس اليوم تواصل معي زميل أخر من مشروع ثاني وسألني سؤالا أوجعني بسبب بساطته وبديهيته، فأجبته بإقتضاب وأنهيت الموضوع سريعا وقلت في نفسي يلا ماشي، هو جديد وبيتعلم. في نفس اليوم تلقيت عددا من الاتصالات من عملائي الذين لم أخبرهم أني في إجازة، تعاملت معهم سريعا وجدولت اجتماعاتي بهم فور عودتي للمكتب. في صباح اليوم التالي تواصلت معي زميلة أخرى تخبرني أن لديها بعض الملاحظات تخص أحد مخرجات مشروع معين. سألتها إن كانت هذه الملاحظات تستطيع الانتظار حتى الغد؟ (إجازتي كانت 48 ساعة – يومان فقط) فأخبرتني أنها طبعا تستطيع الانتظار! وصلت هنا للغليان وبدأ طوفان الأفكار السلبية يخرج عن السيطرة في رأسي 

“أشتغل بلا توقف وأنا على رأس العمل عادي بس أفكر أخد إجازة يومين يستحرموها عليا”

“هذه أنانية”

“المرة القادمة عندما أطلب إجازة لن أرد على الهاتف، لا، سأخبرهم أني سافرت وأغير رنة الهاتف لرنة دولية، لا، سأغلق جوالي وأستخدم رقم لا يعرفه احد”

كنت أفطر مع مجموعة من صديقاتي عندما تلقيت ذلك الاتصال الأخير ولاحظت إحداهن تغير ملامح وجهي والتعاسة التي ظهرت علي وأنا غارقة في فيلم الضحية والمشاعر السلبية الذي كان يدور في رأسي ذلك الوقت. “بربرت” قليلا حتى هدأت بعض الشيء. بعد انتهاء الفطور وخروجي، بدر لي أن ردت فعلي تجاه زملائي مبالغ بها (وإن كانت المشاجرة مع نفسي وبداخلي فقط!). صحيح أعتقد أن ما قاموا به يعبر عن جهلهم لتعبي خلال الفترة الماضية وعدم ملاحظتهم لذلك وربما غرقهم في أعمالهم اليومية بشكل لم يسمح لهم بالتفكير في الغير، لكن بالتأكيد لا يحتاج التعامل مع علاقتي بهم لهذا الطوفان الداخلي والفيلم الهندي وتعكيرالمزاج لهذه الدرجة. مثل هذه المواقف تجعلنا نعيد تقييم علاقاتنا بزملائنا وقد تقودنا في لحظة غضب إلى تقديم استقالة أو التفوه بما ستندم عليه لاحقا. الفكرة هنا أن وصولي لمرحلة شديدة السلبية كانت عبارة عن تراكم لمشاعر لم أتنبه لها حتى شب الحريق بداخلي. لهذا، لا تنجرف في طوفان الأفكار السلبية، لاحظها فور نموها واقتلعها فورا من جذورها. لو انجرفت في هذا الطوفان الذي تخلقه في عالمك الافتراضي، فسوف تتصرف مع زملائك بناء عليه ويحدث مالا يحمد عقباه.  

نظف بيتك أول بأول

وصلت في الموقف السابق لمرحلة طوفان الأفكارالسلبية والتعاسة لأني تركت عددا من الأحداث يتراكم بداخلي دون أن أتنبه لها. ففي الأساس، لدي بوادر انحراق داخلي بسبب تسليمي لمشروع ضخم كنت أعمل به دون فريق ثابت. ثم وضعت نفسي في مرحلة ذهنية أني “سأفصل” لمدة يومين عن المكتب، بينما خالفت كل تصرفاتي التي قمت بها ما وعدت به نفسي، وفي كل مرة كنت أرد فيها على الاتصالات من العمل، أجد أني أزداد غضبا من دون وعي. حتى تتفادى الشجار مع غيرك، لاحظ مشاعرك السلبية التي تكونها تجاه نفسك (عندما تخذلها مثل حالتي هنا) وتجاه غيرك من الزملاء في العمل. فور ملاحظة هذه المشاعر، قم بتنظيفها أولا بأول حتى لا تتراكم ويصبح الشجار هو الوسيلة الوحيدة لتنظيفها.

ملاحظة المشاعر مهارة يجب تنميتها لأننا تعودنا منذ صغرنا أننا إما سعداء أو حزينون دون ملاحظة الدرجات المختلفة من المشاعر بين هاتين الضفتين. عندما تشعر بشيء مزعج بداخلك، لا يعني ذلك أنك حزين بل قد يعني ذلك أنك تشعر بالخذلان، أو بالخزي، أو بخيبة الأمل، أو بالاستفزاز، أو بالغضب…فورملاحظة هذه المشاعر، قد يقوم البعض بإنكارها، وبالتشديد على التصرفات التي لا تظهرها، أو عمل شيء غير مقبول مهنيا (مثل الشجار أو التعدي على الغير أو تقديم رأي شخصي جارح). حدد هذه المشاعر، ومن ثم حدد سببها الذي قد لا يرتبط بالشخص الذي تعمل معه وتود أن تقتله (مثل سفر أحد أبنائك، مرض أحد أصدقائك، مشكلة مالية…). بعد تحديد المشاعر، اعترف بها وبوجودها ومن ثم دعها تمر خارجك بسلام.

عندما تتفهم مشاعرك وما يؤثر بها، ستستطيع التعامل معها فور ولادتها وتوجيه الطاقة الناتجة عنها في المجرى الصحيح بحيث لا تؤثر على علاقاتك. أتذكر أن أحد معارفي كان يستفز كل ذرة وخلية داخلي. مجرد وجودي معه يرهقني ويمتص طاقتي الإيجابية. نصف ساعة معه ومع أحاديثه تولد لدي الرغبة في ارتكاب عمل غير قانوني تجاهه. وقفت مع نفسي وحاولت تحديد ما يستفزني به، لأنه شخص طيب جدا ولا يمكنني تفاديه كل مرة يجب أن أتعامل معه. لم أعرف الإجابة فورا لكني عقدت العزم أن أحلل تصرفاته وأصنف تلك التي لا تؤثر بي وتلك التي تمتص طاقتي. وجدت أن النرفزة لدي تزداد عندما يقوم بشيء ينتهك أحد قيمي التي أؤمن بها والتي منها التواضع. فهذا الشخص كلما تنفس وخطى نصف خطوة في حياته، أجد مئتي رسالة واتساب في جميع جروبات العائلة (وهي كثيرة مثل جروبات أي عائلة سعودية) وتحديث الحالة في واتس اب ليضع صورته وماقام به ورسالة برودكاست عنها ومن ثم أدخل تويتر لأجد أنه وضع تغريدة يتحدث بها عن نفس الإنجاز. الغريب في الموضوع أني بمجرد تحديد مشاعري وما يستفزها أثناء تواجده، توقفت (إلى حد ما) من الشعور بالاستفزاز تجاهه، فشعرت اني كمن يراقب مشهد يحدث من مسافة بعيدة عني، ألاحظ المشاعر، أعترف بها، وأدعها تمر وتخرج بسلام. مثل هذا الموقف وغيره قد يحدث مع زملائك في العمل، فبدون ملاحظة ما تشعر به، لن تتمكن من مساعدة نفسك للتعامل مع مشاعرك وليدة المواقف المختلفة.

تربينا (أجيال الثمانينات وما قبلها) أن الحياة العملية منفصلة تماما عن الحياة الشخصية. قد تعتقد أنك تقوم بذلك، وأن حياتك في المنزل لا تؤثر على حياتك المهنية. هذا الاعتقاد مضحك جدا وسخيف جدا. لا أعرف أي شخص لم يتأثر أدائه في عمله إيجابا أو سلبا بحياته الخاصة وسماته الشخصية. عدم الاعتراف بذلك سيجعلك تقع ضحية الاعتقاد والايمان الشديد بعدم وجود مشكلة (إلى ان تصبح “كلكوعة”). فمثلا لو تعاني من ضعف الثقة بالنفس، فقد يؤدي ذلك لإعتراضك الشديد على كل وجهة نظر تختلف عنك (ربما بنبرة صوت عنيفة). لو تمت ترقيتك فجأة في فريق لا يعرفك ويشك في قدراتك، فقد تشعر بالتهديد وتحاول إثبات صحة رأيك في كل مرة (وتكسير مجاديف فريقك). الوصول لهذا المستوى من الشفافية مع الذات صعب ويحتاج الكثير من الشجاعة حتى تعترف لنفسك أنك تشعر بالخوف في الشركة الجديدة أو أنكِ تشعرين بالتوتر لأنك المرأة الوحيدة وسط فريق رجال أكبر منك سنا.  

تذكر أنك تتعامل مع بشر

هل تذكرون كيف كانت نظرتنا للمعلمين في المدارس؟ كانوا فئات أخرى لا تنتمي للبشر. هم معلمين في المدرسة فقط. لا نتخيل أنهم ينامون أو لديهم أطفال أو أسرة أو مشاكل أو أي نوع من أنواع الحياة خارج المدرسة. من السهل أن تتعامل مع زملائك من هذا المنطلق، فهذا “مدير” وهذا “موظف” وهذا “عامل”.     

سمعت منذ فترة في أحد برودكاستات العمل والإنتاج أننا عادة نفترض أن بعض المفاهيم بديهية ويجب أن تمارس ببساطة في العمل، مثل التعاون والتفويض وتكوين العلاقات المهنية الإنسانية. الصادم هنا أن الكثير من المهارات مثل التي ذكرتها مهمة ولكن ممارستها ليست بديهية. فببساطة، تكوين علاقات مهنية وإنسانية مهارة يجب تحديدها واستهدافها لتنميتها لدى الفريق، أي أنك يجب أن تعلمهم كيفية التعاطف مع غيرهم، إحترام شخصياتهم، ومعرفة كيفية تكوين علاقات بناءة معهم. مع العلم أن طريقتك التي نجحت في بناء علاقة ناجحة مع محمد، ممكن تختلف مع خالد او مع سميرة أو طريقتك في تكوين العلاقات في شركتك السابقة قد تختلف عما يجب عليك القيام به لتحقيق نفس الهدف في شركة أخرى ثقافتها مختلفة. منذ أكثر من سبع سنوات، عملت مع زميلة جديدة في قسمي. كنت أشعر أنها لا تستطيع إدارة الإجتماعات، ولا يوجد لديها خطة لقسمها، ولا أي مبادرة للتطوير الفعلي. أصدرت حكمي وتعاملت معها سطحيا بحيث نتعامل من بعيد لبعيد، لكن التعامل بهذا الشكل لم يؤدي لتطوير العمل أو الاستمتاع به. حكمت عليها بدون أن أتعرف عليها وأتيح الفرصة لنفسي أن أتعاطف معها ومع ضغط المثالية التي تعاني منها ومحاولة إثبات نفسها في نطاق عمل جديد عليها وبيئة صعبة تتصيد الهفوات. أدى ذلك لإطلاق قرارات غريبة عجيبة متخبطة من قبلها أثرت سلبا على مصداقيتها أمام فريقها دون أن يتفهم فريقها (وأنا منهم) أي من الضغوطات التي تمر بها هذه القائدة الجديدة. من السهل أن نحكم على أي قائد أو زميل بأنه سيء، أناني، متسلط ومن الصعب أن نتفهم ظروفه ونتعاطف معه لمساعدته. حاول أن تستثمر بعضا من وقتك سواء في أنشطة شركتك أو ساعة الغذاء أو عند شرب القهوة، تعرف على فريقك على نحو شخصي. فهذه الموظفة التي لاحظت أنها تتأخر في الدوام قد تكتشف أنها أم لأطفال صغار وأن أحد والديها كبير في السن ومريض وانتقل للعيش معها وليس لديها أي مساعدة…على سبيل المثال. طريقة تعاملك مع هذه الموظفة التي قد تشعر بالاستياء حيال تأخرها ستختلف تماما لو نظرت لها من منظور إنساني وليس وظيفي بحت.

نظريا وعمليا، من المفترض أن التدرب على هذه النقاط سيساعدك على تفادي الشجار والتعامل مع المواقف المكهربة بشكل احترافي وحضاري…ولكن

ماذا لو حدث الشجار؟

قد يكون تراشق على واتساب أو على الايميل أوعلى تويتر، ضرب بالأيادي، اتهامات ورفع أصوات وسط الاجتماع…الشجار له أشكال متنوعة كلها بشعة بالنسبة لي. قد يتم اللجوء لطرف ثالث لحل النزاع وخصوصا النزاعات الكبيرة التي قد تهدد فسخ عقد أو طرد أحد أعضاء الفريق. لو كنت أحد أطراف الشجار، ابتعد عن الموقع حتى تهدأ النفوس، اخرج من مكتبك، لا تتخذ أي قرار ولا ترسل أي ايميل. في الغالب، ستندم كثيرا على ما ستقوله وسيزيد الطين بله. إذا لم ترجع لحالتك الذهنية المتوازنة، قد تحتاج الحديث مع شخص أخر (مخه نظيف وراسخ) يساعدك لتوضيح ما حدث، مسبباته، عوامله وما إلى ذلك. عندما تشعر بالاستعداد، بادر بمد يدك لمعاودة الحديث مع الجبهة المخالفة. يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أن تفاوت كفتي الفوة بين الطرفين يغير من كيفية التعامل مع الخلاف والشجار. أي أن تعاملك مع الموقف مع زميلك في نفس الدرجة الوظيفية قد يختلف عن كيفية حل خلاف مع مديرك.   

الخلاصة، عندما تشعر أنك تود ضرب مديرك، اطلاق رصاص على فريقك، لكنك تتمالك نفسك وتبتسم وتقول ماشي، مرة على مرة، تتراكم هذه المشاعر داخلك وتظهر كشجارقد يؤدي لخسارة الكثير في حياتك المهنية. لا تتخذ أي قرار عندما تنتابك هذه المشاعر، لاحظها، دعها تمر وعندما “تروق ملائكتكحاول تحديد سبب هذه المشاعر لتتحكم بها ولا تتركها هي تتحكم بك . كما ذكرت في أول التدوينة، العلاقات المهنية مثل العلاقات الأسرية والزوجية. تمر بمراحل عديدة ومنها اختلاف وجهات النظر الذي قد يصل للشجار الذي لا مفر منه. أنا من المدرسة القديمة التي تؤمن بالمحاربة وإصلاح المكسور وعدم رميه وشراء غيره حتى وان وصلت لمرحلة بشعة، ويحز في نفسي أن أرى مثل هذه العلاقات والشراكات القيمة تهدر بسبب شجار كان من الممكن تفاديه أو أن يصبح مجرد صفحة تنطوي لتكتب بعدها مئات الصفحات والانجازات والمشاريع والنجاحات.